بسم الله الرحمن الرحيم

 

المصرف المركزي التركي بين الارتفاق[1] والانشقاق

زرت تركيا أول مرة في نهاية عام 2013م، وكان سعر صرف الدولار أقل من ليرتين، كان 1,89 ليرة بالضبط. ثم بدأ سعر الصرف يرتفع شيئاً فشيئاً حتى تجاوز حاجز الست ليرات أحيانا في عام 2019، ثم استقر عند 5,7 ليرات لحظة كتابة هذه الأسطر.

طالما شغلني سؤال ملح طيلة السنوات الست المنصرمة عن سبب انخفاض قيمة العملة التركية بهذا الشكل، خاصة أن تركيا بلد يعج بالموارد المتنوعة، ويتمتع بوفرة في السكان والجغرافيا، ويحوز على ميزة نادرة في غالبية الدول المجاورة ألا وهي وفرة المياه الطبيعية.

إن اهتمامنا بتركيا ليس فقط لأنها بلد من البلدان الإسلامية، ولكن لأنها تعيش تجربة تنموية ونهضوية طالما حلمنا بها في كافة الدول العربية والإسلامية، حيث بدأنا نعتبرها النموذج والقدوة التي يجب أن تحتذى. ولهذا صار عند كثير من أبناء البلدان العربية شعور بالخيبة والحزن لما يشاع من أخبار عن تعثر التجربة التركية وما يقدم لذلك من أدلة (الاقتصادية منها خاصة، وهبوط قيمة العملة بشكل أخص). وإن ما يشاع يجد ما يسنده على أرض الواقع من انخفاض فعلي في قيمة العملة، وارتفاع في أسعار السلع والخدمات، وهذا دليل على ارتفاع نسبة التضخم الذي يعتبر بحق “غول” الاقتصاد الذي لا يبقي ولا يذر. وهل يبقى بعد الفشل الاقتصادي معنى لأي نهضة أو تنمية.

ولطالما تساءلت عن سبب انخفاض قيمة الليرة التركية في السنوات الست المنصرمة دون أن أجد جوابا شافيا، وذلك لنقص المعلومات عندي ولعدم تمكني من الحصول على أي احصائيات تكشف خبايا الأمور. خاصة أن غالبية الصحافة (بريئة وغير بريئة) لا تتكلم إلا بالنتائج التي تثير قلق الناس واستغرابهم. ونادراً ما تتعمق في شرح الأسباب وطرح الحلول السببية أو الجذرية.

ولكن منذ يومين قرأت المقالة التي كتبها الأستاذ “ياسين أقطاي” في جريدة “يني شفق” حول خفض أسعار الفائدة من قبل المصرف المركزي التركي. هذه المقالة أوضحت لي بعضاً (وليس كل) مما أتوقعه تفسيراً لما حدث. فوجب بناء عليها كتابة مقال علمي يشرح بشكل تفصيلي أثر سعر الفائدة العالي على اقتصاد أي بلد وليس فقط على اقتصاد بلد نامٍ ونشط مثل تركيا. ذلك الاقتصاد القوي الذي لم يتعافَ بعد من كل ترسبات الماضي الذي خلفه فشل الحكومات التقليدية المهملة السابقة لحكومة حزب العدالة والتنمية. وأقصد تلك التي كانت تعمل تحت هيمنة الحكم العسكري الانقلابي. تلك الحكومات التي أقل ما يقال عنها إنها كانت تهمش الكثير من موارد البلد ولا تدخلها في العملية الاقتصادية، وذلك على الأغلب نتاج الجهل وقلة الخبرة. دون أن يخلو الأمر من احتمال وجود أسباب أخرى ليست بريئة.

ذكر الكاتب أن المصرف المركزي التركي خفَّض سعر الفائدة بثلاثة قرارات متتالية، بنسبة عشرة بالمئة وفي ثلاثة شهور فقط. حيث كانت أسعار الفائدة مستقرة عند 24% حتى تاريخ 25 /7 / 2019. وباتت الآن (بتاريخ كتابة المقال) عند مستوى 14%.

وذكر الكاتب أن سعر الفائدة كان عام 2013 في حدود الـ 5% وهو سعر -كما قال- توازني يساعد على النمو الاقتصادي ورواج الاستثمارات المختلفة ويرضي أرباب الأموال المودعين في البنوك.

وذكر أيضا أن الرئيس أردوغان طالما حذَّر من ارتفاع هذا السعر، ونبه إلى خطورة المغالاة به. وأن المصرف المركزي –ذا الاستقلالية التامة عن الحكومة- قد رفع السعر إلى 24%. وأن هذا الرفع المبالغ فيه هو سبب التضخم وانخفاض قيمة الليرة التركية. فكيف حدث هذا؟ وهل بالفعل لسعر الفائدة المرتفع هذا الأثر على التضخم؟

الجواب بكل بساطة نعم، وله آثار ارتدادية أخرى أشد سوءاً وشؤماً. ولكن كيف يحدث ذلك على أرض الواقع؟ وكيف تتشكل الآثار الارتدادية؟ وكيف يمكن إيقاف هذا التداعي المشؤوم الذي بدأ برفع سعر الفائدة؟

أولاً- المصرف المركزي المستقل عن الحكومة:

كخبير اقتصادي، طالما عجبت من هذا المصطلح المضحك المبكي. فكيف لمؤسسة حكومية تتبع لدولة ما أن تكون مستقلة عنها؟! وهل لمؤسسات الحكومة واجب الارتفاق أم حق الاستقلال وصولاً إلى الاختراق؟! اختراق الاقتصاد بأموال المودعين المحليين والأجانب! ومن أين جاءت بدعة أن المصرف المركزي يقرر ويغرد خارج السرب الحكومي؟! رغم أن الحكومة هي من تتحمل نتائج سياساته!

أغلب الظن أن هذا نشأ من طبيعة المصرف المركزي الأمريكي الذي له -عند تأسيسه وتأسيس الاتحاد الفيدرالي- صفة الاستقلال عن الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات المختلفة. وكان ذلك عند تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية وبطريقة غريبة كشرط لقوى المال الرأسمالي المهيمن التي اشترطت أن يكون المصرف (كمؤسسة) بعيدا عن سلطة الحكومة، وذا حرية ذاتية وصلت إلى أن الحكومة الأمريكية تأخذ منه الدولارات، التي تمول بها الموازنة، كقرض يجب سداده. وما ذلك إلا شكل من أشكال هيمنة قوى المال، الذي كان يمتلكه حفنة من المرابين والاحتكاريين الذين وضعوا القوانين بما يضمن مصلحتهم ابتداء. وأي مخالف سيظهر كأنه مخالف للقانون وليس لهيمنة فئة تعمل لمصلحتها الذاتية فقط.

ولكن لمَ يترنمُ غالبية الاقتصاديين بهذه الترنيمة النشاز التي أفقرت الملايين وأغنت الحفنة المتحكمة فقط؟ ولمَ يعتبرُ أغلب الاقتصاديين أن استقلال المصرف المركزي شيء مهم لاقتصاد أي بلد ونموه وازدهاره؟ أغلب الظن أن ذلك نتاج الطغمة المالية ذاتها التي أسست البنك الاتحادي الأمريكي كمؤسسة مالية مستقلة حتى عن الحكومة الأمريكية الاتحادية. وأعتقد أن الباقي أصبح معروفاً للقارئ. حيث سأتركه منفردا يستنتج آلية نهب باقي بلدان العالم عن طريق تحديد سعر فائدة تخدم أولا وأخيراً الطغمة المالية الحاكمة في الخفاء.

وهل يستوي اقتصاد أي دولة دون التوازي والتوازن بين سياستيه المالية والنقدية، اللتين يجب أن تخدما السياسة الاقتصادية بما فيها من إدارة متوازنة للصناعة والزراعة والتجارة والخدمات؟ هل يطير طائر بدون جناحين متوازيين ومتساويين يحملان ثقل الجسد بكل خفة وسلاسة عبر تيار الهواء المساعد؟

إن اقتصاد أي بلد يمثل جسد الطائر. وجناحاه هما السياسة المالية والنقدية.

السياسة المالية التي أحد أهم معالمها رسم الضرائب المتوازنة، وهي لب إيرادات الدولة ومنبع نفقاتها.

والسياسة النقدية وأهم اختصاصاتها تحديد سعر الفائدة وسعر الصرف وكمية النقد المتداول بما يخدم الاقتصاد، وليست مستقلة عنه.

أما التيار الهوائي الذي يحمل الطائر ويعينه على الطيران فهو البيئة الثقافية والاجتماعية والمادية والاستثمارية، التي جوهرها وروحها قوانين الدولة ونشاط الشعب وهمته في الفكر والعمل. ولذلك تفصيل كثير ليس مكانه هنا.

إن فكرة استقلال القضاء، فكرة خدمت البشرية ومنعت الحاكم من التغول والهيمنة على الناس عبر الأحكام التي تفض النزاعات بين بعضم البعض، أو بينهم وبين الحكومة ذاتها. أما استقلال المصرف المركزي في خاصية تحديد سعر الصرف أو كمية العملة المتداولة فهي بدعة هدرت –غالباً- حقوق البشر، وضيعت جهودهم العقلية والعضلية، ونهبتها لصالح من يملك المال، الذي من مصلحته سعر فائدة مرتفع يحقق به فوائد عالية على ودائعه الكسولة اللئيمة، التي ترفض المغامرة والاشتغال بتنمية حقيقية للموارد المتاحة وأهمها الإنسان.

وهنا سؤال يطرح نفسه: هل يمكن أن تُستغلَّ تبعية المصرف المركزي للحكومة من قبل الحاكم بشكل سلبي؟ الجواب نعم. ولكن هذا حلُّه عبر مجلس نواب الشعب أو عبر صندوق الانتخابات، اللذين يحددان للحكومة والحاكم خط سير لا يعوجّان عنه أبداً. أو عبر احتجاجات متنوعة الأشكال تعيد الحاكم إلى رشده أو تعزله كما جرى في الكثير من البلدان حول العالم.

فكيف تثق بحاكم وتعطيه الحق في جني الضرائب وباقي الإيرادات وإنفاقها كما يراه مناسباً (وهذا له أثر خطير على الاقتصاد والناس)، ولا تعطيه الوسيلة المكملة لنجاحه وهي السياسة النقدية المتمثلة بسياسات المصرف المركزي؟ هذا عجب عُجاب!

لهذا نرى أن خطوات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الضغط على المصرف المركزي لتخفيض سعر الفائدة، هي خطوات جريئة وفي الاتجاه العلمي الصحيح لتصحيح المسار الاقتصادي الذي ظهر فيه بعض الخلل في السنوات القليلة الماضية.

ولكن علينا في هذا البحث أن نشرح كيفية وآليه عمل سعر الفائدة والآثار الارتدادية لرفع هذا السعر أو تخفيضه على الاقتصاد، وبشيء من التفصيل وبما تسمح به مساحة هذا البحث.

ثانياً – الآثار الارتدادية لارتفاع سعر الفائدة (شرح علمي تفصيلي):

يبرر الاقتصاديون وجود سعر الفائدة ورفع هذا السعر أو خفضه بعدة مبررات منها الوهمي ومنها الحقيقي برأيهم. ويعتبرون لذلك آثاراً إيجابية وسلبية حسب الظروف الاقتصادية السائدة في الدولة الواحدة وفي العالم الاقتصادي أجمع. ولكن جميع الاقتصاديين -حتى الأشد ليبرالية منهم- يطالبون بسعر فائدة يسمونه السعر التوازني الذي ينفع ولا يضر. فكيف تتشكل هذه الآثار؟ وكيف يمكن أن ينفع وجود الفائدة بغض النظر عن معدل سعرها؟ وكيف يضر هذا المعدل فيما لو ارتفع؟ وما هي الفائدة التي يجنيها الاقتصاد من إلغاء سعر الفائدة نهائيا؟ هذا ما سنتكلم عنه في هذه الفقرة:

  • سعر الفائدة ومن يضعه ولماذا وكيف؟

هو معدل يوضع بالنسبة المئوية للودائع الداخلية والخارجية في البنوك الخاصة أو العامة، وبموجبه يحصل المودع على إيراد على ودائعه. وتكون هذه النسبة متنوعة حسب المُدد (قصيرة- متوسطة – طويلة الأجل). ويفترض في سعر الفائدة (إن كان لا بد منه) أن يحدد من قبل خبراء الحكومة بكافة مؤسساتها، وبشكل تشاوري ووفق المصلحة التوازنية لكافة قطاعات الاقتصاد المتنوعة. ولكن الذي يجري في أغلب البلدان أن سعر الفائدة يحدد من قبل لجنة خاصة تعمل حصراً في المصرف المركزي الذي -كما يقال- يتمتع باستقلال عن الحكومة (السلطة التنفيذية)، ويبرر هذا الاستقلال بضمان عدم تدخل الحكومة وفرضها لسعر يحقق مصالحها بشكل أكثر من مصالح المستثمرين المودعين.

وطبعاً تقوم بعض المصارف المركزية برفع سعر الفائدة من أجل إغراء المودعين -خاصة الدوليين- لنقل أموالهم من دولهم إلى الدولة صاحبة المعدل الأعلى للفائدة. وعند رفع هذا المعدل يطمع أصحاب المال الذين تخصصوا في الاستثمار المالي بمعدل ربح أعلى مما عهدوه في بلدانهم أو بلدان أخرى. ولهذا يقومون بنقل أموالهم إلى البلد الذي وصل معدل الفائدة فيه إلى معدل أعلى من غيره. هذه الفئة تسمى الفئة الطفيلية التي تتربح ليس من الاستثمار والعمل والمغامرة، بل من أن ربحها أساسا يقوم على توليد المال للمال مباشرة دون أي تحمل لنسبة عالية من المخاطر.

لكن لماذا تقبل بعض الدول -خاصة ذات الاقتصادات الناشئة- بمعدل عال للفائدة تدفعه للأموال الأجنبية؟ بكل بساطة لجذب هذه الأموال إلى اقتصادها من أجل استثمارها في مشاريع عملاقة مربحة. وهنا ينشأ السؤال الخطير: كيف ستلبي هذه الاقتصادات سعر الفائدة المرتفع هذا؟ وأي المشاريع التي ستربح ربحاً عالياً يفوق معدل الفائدة المرتفع؟ هنا مكمن الخطر وهنا يبدأ الركود الاقتصادي، حيث لن يُسْتَثْمَرَ إلا في المشاريع ذات الربحية العالية جداً ولو كانت تقدم سلعاً وخدمات غير ضرورية. وهذا ما سنتكلم عنه في فقرة لاحقة. ثم كيف ستلبي البنوك التزاماتها أمام المودعين بدفع معدل فائدة عال إن لم تستثمر هذه الودائع في مشاريع ذات معدل ربحي أعلى؟ هنا يحصل الانعكاس السلبي حتى على البنوك نفسها، حينما تجد نفسها عاجزة عن الإقراض إلا للمشاريع ذات الربحية العالية جداً، وهذه دائما قليلة نادرة سواء في الاقتصادات الناشطة، التي قد تضطر إلى الخضوع السياسي لاستمرار نموها ونشاطها، أو في الاقتصادات المشبعة بالمشاريع والاستثمار… لكن الأمر مسألة وقت ثم ينكشف كل شيء.

  • أثر سعر الفائدة المرتفع على التضخم:

التضخم هو ارتفاع الأسعار وانخفاض القدرة الشرائية للعملة (قيمتها مقابل السلع والخدمات والعملات الدولية). وكثيراً ما عُرِّفَ التضخم بأسبابه المتنوعة، وليس هذا مكان بحثه. ما نريده هنا هو ما أثر رفع سعر الفائدة من قبل المصرف المركزي على ارتفاع الأسعار وفقدان العملة كثيراً من قدرتها الشرائية؟ وكيف يتم ذلك؟

عندما يحدد المصرف المركزي التركي سعرا للفائدة يصل إلى 24%، فإن المستثمرين (أصحاب الأفكار الاستثمارية الفعَّالة) سيضطرون إلى دفع هذه النسبة إلى البنوك من أرباحهم. وبالتالي فإنهم سيقومون آليا باعتبار هذه الفائدة جزءاً لا يتجزأ من تكلفة إنشاء وتشغيل أي مشروع يقومون به. وبالتالي فإن منتجات هذه المشاريع من السلع والخدمات سترتفع آليا بنفس نسبة الفائدة إن لم يكن أكثر. وهذا أحد أهم آثار رفع سعر الفائدة، حيث أنه يرفع الأسعار للمشتري، سواء أكان محلياً أم أجنبياً، وبالتالي فإن الوحدة النقدية الواحدة -المحلية خاصة- ستشتري كمية أقل من السلع والخدمات بما يقارب نفس النسبة وربما أكثر. وهذا هو -في الواقع- ما يسمى بانخفاض قيمة العملة.

إذا سعر فائدة مرتفع جدا أثره فوري ومباشر على ارتفاع الأسعار والتضخم، وهذا كارثة للاقتصاد. حيث يستحق التضخم مسمَّى سرطان الاقتصاد، حيث الخلايا السرطانية (فائدة مرتفعة) تأكل وبنهم الخلايا السليمة، إلى أن ينتهي الجسد ذاته (الفناء الذاتي).

كيف تأكلها؟ وكيف يحدث الأثر حتى على المشاريع التي لم تقترض؟ هنا الـتأثير بالتداعيات: فارتفاع الأسعار في أي اقتصاد سيرفع تكاليف المشاريع غير المقترضة أيضاً سواء تكاليف الإنشاء أو تكاليف التشغيل. وهي بالتالي ستضطر إلى رفع أسعار منتجاتها السلعية أو الخدمية. وهكذا يستمر تداعي التأثير بما يسمى أثر الفراشة، أو تأثير تداعيات أحجار الدومينو.

  • أثر سعر الفائدة على الاستثمار والنشاط الاقتصادي:

طالما أن سعر الفائدة مرتفع، فآليا المستثمر المقترض لن يقدم على مشروعه إلا إذا ضمن (بدراسة جدوى موثوقة) أن نسبة ربح هذا المشروع ستفوق كثيراً نسبة الفائدة التي سيدفعها. وإذا علمنا أن المشاريع ذات الربحية العالية التي تتجاوز سعر الفائدة العالي قليلة جداً خاصة في السنوات الأولى للتأسيس، فإن رجال الأعمال المستثمرين المغامرين في الأعمال لن يقدموا على تنفيذ غالبية أفكارهم ورغباتهم الاستثمارية. والقارئ سيستنتج فورا أثر ذلك على الاستثمار والنشاط الاقتصادي.

فمعدل فائدة منخفض، أو معدل فائدة صفري (0.09% أو أقل)، أو إلغاء الفائدة نهائياً، سيحرك همة المستثمرين إلى المغامرة حتى في المشاريع التي لا تتجاوز نسبة ربحيَّتها المتوقعة العُشْرَ أو حتى أقل من ذلك. وهذا سينشط الاقتصاد وسيكون له آثار ارتدادية إيجابية متنوعة سنتحدث عنها في باقي البحث.

ومن الآثار الارتدادية لسعر فائدة مرتفع هو أن المودعين سيقومون غالباً بإخراج أرباحهم الربوية (حصيلة الفائدة المرتفعة) إلى خارج البلد، ونقلها واستثمارها في بلدها الأصلي أو في بلدان أخرى رفعت سعر الفائدة (مبدأ الاحتياط). لاسيما إذا شرطت بعض الدول المصدرة للمال قاعدة أن هذه الفوائد غير خاضعة للضرائب إلا في بلد المنشأ، وهذا ما يسمى بمبدأ منع الازدواج الضريبي. إذا هي أرباح صافية للمودعين وضرائب دخل لبلد المنشأ فقط. فهي أموال لئيمة تستثمر بدون عمل أو مغامرة وتربح لنفسها ولحكوماتها الأصلية فقط.

ومن آثار سعر الفائدة المرتفع حدوث الكساد والركود، حيث أن ارتفاع التكاليف سيرفع الأسعار، وهذا له أثر مباشر على قلة مبيعات السلع والخدمات. فيحدث الكساد والركود ويزداد شيئاً فشيئاً وفق الآثار الارتدادية.

ويبقى السؤال: وفق تحليلنا للآثار الارتدادية لارتفاع سعر الفائدة، هل من مصلحة البنوك والاقتصاد وحتى المودعين رفع سعر الفائدة؟ الجواب ربما على المدى القريب فقط، ولكن على المدى البعيد فهو ليس مجديا أبدا. بل إن الكساد والركود ينهب ويحرق كل تلك المنافع المؤقتة. فمن قال لكم إن المال الأجنبي يأتي ليعمِّر بلداً ما مثل تركيا أو غيرها؟! هو جاء فقط ليقتنص فرصة ثم يبحث عن غيرها. وهو لن يدخل إلا بشروط حمائيَّة من بلد المنشأ الذي يكون على الأغلب بلدا استعماريا سلطوياً، أو منضوياً تحت مضلّة مالية ذات سلطة سياسية عالمية.

  • أثر سعر الفائدة على البطالة:

عرفنا التأثير السلبي لسعر فائدة عال على عدد المشاريع وحجم الاستثمارات ونشاط الاقتصاد. ويتمثل هذا الأثر السلبي بعدم تجرؤ المستثمرين على البدء بمشاريع لا تكون نسبة ربحيتها أعلى من سعر(نسبة) الفائدة السائدة، وإلا فما نفع المغامرة والاستثمار والعمل إن كان بإمكان المستثمر الحصول على معدل ربح أعلى بإيداع أمواله في البنوك؟

ولأن عدد المشاريع الجديدة سيقل حتما، فهذا سيؤثر على عدد الوظائف بنفس نسبة قلة المشاريع، وبالتالي فإن معدل البطالة سيرتفع بمجرد رفع معدل الفائدة في البنوك. والعكس صحيح، فبمجرد تخفيض سعر الفائدة سيزداد عدد المشاريع التي تستطيع تحقيق ربحية جيدة رغم الاقتراض، وعليه تزداد حاجة هذه المشاريع إلى اليد العاملة ويرتفع الطلب عليها وتزداد فرص العمل في المجتمع. وعليه فإن رفع سعر الفائدة له أثر سلبي حقيقي ملموس على فرص العمل، وبالتالي على معدل البطالة.

كما أن هناك أثراً غير مباشر ناتج مما ذكرناه سابقا من ارتفاع التكاليف الإنشائية والتشغيلية للمشاريع، وهو ارتفاع أسعار منتجاتها من سلع وخدمات، وهذه تؤثر بشكل غير مباشر (بالتداعيات) على قلة المبيعات، وبالتالي تؤثر على عدم تفكير أو استطاعة رجال الأعمال التوسع في أعمالهم السابقة القائمة بالفعل، وهذا يؤثر سلبا ًعلى تأمين فرص عمل جديدة. وهكذا تنتشر البطالة شيئاً فشيئاً خاصة في مجتمع إسلامي كتركيا، فيه نسبة التكاثر السكاني جيدة أو جيدة جداً في بعض المدن، ومن واجب الحكومة إدارة الاقتصاد بما يؤمن فرص عمل جديدة متنوعة للفئات الشبابية النامية المتزايدة.

من كل ما ذكرنا آنفا نجد أن قلة الاستثمارات وقلة المبيعات وقلة التشغيل لليد العاملة تؤدي حتماً إلى الركود والكساد، الذي يعتبر الفخ الكئيب الذي يقع فيه أي اقتصاد مهما قويت بنيته وتنوعت مصادره. وكل ذلك بسبب الفائدة العالية أو حتى مجرد وجود الفائدة مهما بلغت نسبتها. ولهذا وجدنا القرآن الكريم حث على الإنفاق بأنواعه الثلاثة (الاستثماري– الاستهلاكي– الخيري)، من أجل تنشيط الاقتصاد ونموه وعدم حدوث الركود والكساد. وشاهد ذلك الآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُون) ﴿البقرة/٢٥٤﴾. 

واليوم المذكور هنا في الآية ليس يوم القيامة كما يعتقد البعض، بل يوم الركود والكساد. فلو دققنا النظر لوجدنا الآية قالت لا بَيْعٌ فيه.. ولا خُلَّةٌ. فلو كان القصد هو انتفاء جنس البيع لكانت الآية: لا بَيْعَ فيه ولا خُلَّةَ. إذا لا ينتفي جنس البيع وإنما يقل، وهذا هو الركود والكساد.[2]

  • أثر سعر الفائدة العالي على الودائع (المدى القريب – المدى البعيد):

يطمع كثير من المنظرين للاقتصاد الرأسمالي بالربح الوفير، بغض النظر عن وسيلة تحقيقه أو حتى الآثار المترتبة عن هذا الربح، من تلوث للبيئة أو تضيق في رزق الناس أو خنق لكثير من الفرص الصغيرة الواعدة، التي كان من الممكن أن تنمو وتتسع حتى تشكل قاعدة عريضة وافرة للنمو والازدهار الإنساني في المجالين المادي والروحي المعنوي.

لكن لقوانين الله في أرض الواقع كلمتها الفصل وسلطتها الخفية. فرفع سعر الفائدة سيجلب الكثير من الودائع الطامعة إلى الربح المالي السهل المضمون المدعوم بقوة القانون أو سلطة الدول ذات النفوذ السياسي والعسكري. وستقوم البنوك المستقبلة لتلك الودائع بالإقراض وفق معدل الفائدة العالي، لتستثمر –فقط- في مشاريع لها صفات خاصة ذات طابع احتكاري غير طبيعي وغير اعتيادي وغير متوفر لباقي المشاريع. وأيضا ذات ربحية عالية لا تتوفر في باقي مشاريع الاقتصاد الصناعية والزراعية والخدمية. ولكن إلى متى؟

لن يلبث الأمر حتى تزيد الودائع ولا تجد لها متنفساً استثماريا يحقق ربحاً أعلى من نسبة الفائدة الواجب دفعها للبنوك وللمودعين. وهنا تبدأ عملية الركود والكساد للبنوك ذاتها وتبدأ خسارة البنوك والمودعين فيها. وهذا مآل الأموال الطامعة في الربح المالي البحت دون الرغبة في العمل أو المغامرة.

ولكن للبنوك وللنظام الربوي سلوك خبيث آخر يجهله غالبية الناس، بينما هو سلوك تعمل عليه البنوك وتحت مظلة القوانين التي شرعت لعلاج مثل هذه الحالات من كساد البنوك التي ستعاني عاجلاً أو آجلاً. ولهذا نرى أن هذه البنوك نادراً ما تقع تحت وطأة الكساد إلى في الحالات القصوى. فكيف تلعب البنوك لعبتها الثانية لتنجو من ذلك ويبقى المال اللئيم الخبيث فاعلاً رابحاً مستنزفاً لكل مفاصل الاقتصاد؟ يتم ذلك بفضل آلية خلق الائتمان التي يجهلها غالبية الناس العاديين. فما هي آلية خلق الائتمان؟ وكيف شرِّعت قانونا؟

تعتمد آلية خلق الائتمان على السماح للبنوك بإقراض الأموال المودعة فيها أكثر من مرة. أي أن البنك الواحد يقرض مبالغ تساوي ضعف أو ضعفي أو أكثر مما لديه من ودائع (وصلت إلى أربعين ضعفاً عند افتضاح أمرها في ازمة كساد 2008 في الغرب) اعتماداً على أن المودعين لن يطلبوا أموالهم دفعة واحدة، واعتماداً على القانون الذي يسمح لهم طلب الدعم من البنك المركزي فيما لو حصل ضغط سحب من قبل المودعين. وهذا مقابل أن تودع هذه البنوك (الخاصة) حصة، يحددها القانون من ودائعها (العملة الصعبة خاصة) في البنك المركزي.

من سمح لهذه البنوك بهذا الوضع التمويل الاستثنائي الذي ينفعها في جني أرباح مضاعفة وعدم التأثُّر بغالبية الأزمات المالية؟ سمح لها القانون الذي شرع من القرن التاسع في بريطانيا لمضاعفة حجم الأموال وتلبية الحاجة للتمويل للمشاريع الجديدة. ولكن هذه الميزة تفقد غالبية قوتها عند سعر فائدة مرتفع. وتُدخِل اقتصاد البلد في دوامة مالية لا يحمد عقباها شرحنا جزءاً منها.

ويبقى السؤال: هل تتأثر تلك البنوك بنيوياً؟ الجواب لا. لأن غالبية البنوك لها فروع في غالبية دول في العالم، تنقل عبرها الأموال حيث اتجاه رياح الاستثمار المالي والكساد الاقتصادي.

إذا فالمنظومة البنكية العالمية محصَّنة بقوانين تُفرض على الدول الناشئة الصاعدة، تسمح لهذه البنوك بحرية الحركة والمناورة والإقراض بدون أصول حقيقية، وتمنحها ميزات نسبية تنافسية لا تتوفر لغيرها من قطاعات الاقتصاد. وهذا أمر له تفصيل مرعب في غير هذا المقال.

ومما يزيد الطين بلة، أن أرباح هذه البنوك غالباً ما تخرج خارج الاقتصاد، بحماية قوانين حرية حركة رؤوس الأموال. وهذا أيضاً له آثار ارتدادية له تفصيله في غير هذا الموضع. ويبقى أحد أسوأ الآثار الارتدادية لرفع سعر الفائدة هو ضغط الدول القوية لحماية أموال رعاياها المودعة في الدول الناشئة. هذا الضغط العلني وغير العلني والذي يظهر بعدة أشكال سياسية واقتصادية، بل حتى عسكرية، قد يفقد البلدان الناشئة الطامعة بالودائع، الكثير من سيادتها على القرار الاقتصادي والمالي.

  • علاقة سعر الفائدة في نقل (تصدير) التضخم:

إن الفوائض المالية الربحية التي تحققها الدول الرأسمالية نتيجة علاقات اقتصادية غير عادلة مع دول العالم الثالث، والمتمثلة بشراء المواد الأولية بأسعار بخسة متناقصة، وبيع المنتجات بأسعار عالية متزايدة، تسبب عبئاً على اقتصاد الدول الرأسمالية نتيجته التضخم. أضف إلى ذلك أن غالبية نقود مبيعات المواد الأولية يتم إيداعها في البنوك الرأسمالية للدول الغربية. وغالبية الدول الرأسمالية الغربية وصلت إلى مرحلة التشغيل الكامل، وبالتالي لن تستطيع استثمار هذه الفوائض المالية بربحية عالية إلا إذا أخرجتها (صدرتها) إلى الدول الناشئة اقتصادياً لكي يتم استثمارها هناك بمعدل فائدة عال يتم تحديده بالضغط على البنوك المركزية في البلدان الناشئة اقتصادياً وتحت غطاء حرية واستقلال المصرف المركزي. وبالتالي تحقق الدول الرأسمالية ضربتين معاً: تخرج الأموال الفائضة الكاسدة عندها (التي لا تجد فرصاً للاستثمار المربح بسبب وصولها إلى مرحلة التشغيل الكامل) وهذا يسمى تصدير التضخم. ثم تحقق أرباحاً بفوائد عالية من استثمارات لا تحقق دائماً الحاجات الحقيقية للدول الناشئة التي تتطلب مشاريع أساسية نسبة ربحيتها أقل بكثير من معدل الفائدة العالي، خاصة في السنوات الأولى للتأسيس.

الخلاصة:

يعتبر رفع معدل الفائدة إلى نسب غير اعتيادية ضرراً محضاً على كل اقتصاد، فهو يقلل فرص الاستثمار والتشغيل (بطالة)، ويرفع الأسعار (تضخم). ويكمن الحل في التقليل التدريجي من معدلات الفائدة، على أمل الوصول إلى يوم تلغى فيه الفائدة نهائيا، وينتقل العمل في الاقتصاد إلى مؤسسات المشاركة التي يتحمل فيها جميع الأطراف عبء المغامرة والعمل. وهذا ما وعته الحكومة اليابانية عندما سعت إلى فرض سعر الفائدة الصفري، وهو معدل تكون فيه الفائدة أقل من الواحد بالمائة (0,09) وما دون. فهل تستطيع الدولة التركية متابعة إصلاحاتها الهامة لسعر الفائدة، واستمرار التخفيض في هذا السعر وصولاً إلى معدل يحقق النشاط الاقتصادي ويقلل نسب البطالة، ووصولاً إلى التشغيل الكامل لكل الموارد المتاحة في الاقتصاد. هذا ما نأمله في القريب العاجل.

إن الخطوات الإصلاحية التي اتخذها الرئيس أردوغان لتخفيض سعر الفائدة، سيكون لها حتماً آثار إيجابية على النشاط الاقتصادي في تركيا، وعلى معدل الاستثمار والتشغيل. ونترقب أن تستمر هذه الإصلاحات الجريئة، والتي لن يطول بها الزمان حتى تظهر أثارها الارتدادية الإيجابية. ولعل التوفيق يرافق تركيا وحكومتها في الاستمرار والثبات بإذن الله تعالى.

١٣/١١/٢٠١٩

الدكتور محمد اقبال الخضر

[1] نقصد بالارتفاق أن يكون المصرف المركزي مرفقا من مرافق الدولة

[2] يرجى مراجعة بحث: مفهوم الإنفاق في القرآن الكريم وأثره على النمو الاقتصادي – للباحث. منشور بشكل مستقل على النت 2005م. وتجده في كتاب ” التنمية بدءاً بالإنسان ” للكاتب. نشر دار رؤية. دمشق- استنبول 2011