مقدمة:

يدل مفهوم السلفية في سياق الدراسة التي نحن بصددها، على أنها حركة فكرية تستند في مبادئها إلى محاولة استقراء واسترجاع الماضي والتراث، والبحث فيهما عن الأصول التي تعتبرها ذات قيمة مطلقة، يكون الهدف منها، العمل على تأسيس رؤية تتضمن البعد الاجتماعي والسياسي، وينظر إليها على أنها قادرة على تقديم حلول لجميع المشكلات التي قد يشاهدها عصر من العصور، ومن أهمها الدفاع عن الهوية، والوقوف في وجه كل أشكال الغزو الفكري والروحي[1]. بناء على هذا المفهوم، تحاول هذه الورقة البحثية، الإحاطة ببعض الجوانب التاريخية لأهم تيار فكري  ظهر في المغرب خلال القرن التاسع عشر والعشرين، كتيار تحرري يهدف إلى تخليص البلاد من الغزو الأجنبي الذي تسبب في إحداث تغيرات على مستوى بنيات المجتمع المغربي التقليدية، هذا التيار يسمى بالتيار السلفي الجديد على اعتبار أن هناك تيار سلفي قديم ترجع جدوره إلى القرن الثامن عشر، بحيث اقتصر عمله على الدعوة إلى الإصلاح الديني بشكل متشدد، ومحاربة الطرق الصوفية، ولم يكن لدى رواده أي نية لمحاربة قوى أجنبية غازية للبلاد، بل تميز عن السلفية الجديدة بكونه كان تيارًا يحارب المشاكل الداخلية حفاظًا على استمرارية السلطة الحاكمة المشخصة في السلطان وحاشيته، أما السلفية الجديدة التي تزامن ظهورها مع وصول أصداء الحركة السلفية المشرقية إلى المغرب عن طريق شخص يدعى عبد الله السنوسي، فقد كانت تهدف إلى مقاومة الغزو الاستعماري، وتحرير البلاد والعباد من كل أشكاله، لذلك تحولت هذه الحركة السلفية الجديدة فيما بعد إلى عنصر هام في عمل الحركة الوطنية في المغرب، بل شكلت دعمها الروحي والفكري، وبررت مشروعية تصرفات روادها ضد الاستعمار الفرنسي.

وتقوم هذه الدراسة بتناول بعض الجوانب التاريخية التي ساهمت في بروز الفكر السلفي الجديد في المغرب، على أن يتم تناول نموذج علال الفاسي كرائد من رواد هذا الفكر في مقال آخر، فما هي أبرز الأحداث التاريخية التي أدت إلى بروز الفكر السلفي الجديد في المغرب؟ وما أهم القضايا التي أثارها رواد هذا الفكر؟

المبحث الأول: أحداث ساهمت في بروز الفكر السلفي الجديد في المغرب

ارتبط ظهور الفكر السلفي بالمغرب تاريخيا بالأحداث التي شهدتها الدولة المغربية خلال القرن التاسع عشر، وذلك حينما تعرضت لسلسلة من الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية من طرف القوى الأوربية الاستعمارية، خاصة فرنسا واسبانيا وبريطانيا، فقد نتج عن الهزيمتين العسكريتين التي تعرضت لهما الدولة المغربية في معركة اسلي ضد القوات الفرنسية عام 1844، وفي معركة تطوان ضد اسبانيا عام 1859، إلى جانب المعاهدات الاقتصادية المجحفة التي عقدتها مع الدول الأوربية، خاصة بريطانيا عام 1856، حالة من الاستياء والتذمر في الأوساط الاجتماعية المغربية، وبالتحديد فئة العلماء التي كانت آنذاك تمثل النخبة المثقفة في المجتمع المغربي[2]، وعلى إثر النتائج السلبية التي خلفتها تلك الأحداث، وما أحدثته من زعزعت لبنيات المجتمع التقليدية، بادرة هذه النخبة في إطار مشروع “ضرورة الإصلاح” إلى الدعوة إلى الاجتهاد وتجديد الدين من جهة، والدعوة إلى تحديث الدولة ومؤسساتها من جهة ثانية، لوعيها بوجود تأخر تاريخي عن الآخر الأوربي[3].

إن هذا الوعي مقارنة بالمعطيات الاجتماعية والفكرية والسياسية التي برزت في مغرب القرن التاسع عشر، هو وعي سلفي يرضخ إلى عوامل الفكر السلفي الذي ظهر في مصر مع الأفغاني ومحمد عبده وغيرهم، ويمكن أن نكشف ذلك من خلال الرحلات التي قام بها علماء مغاربة في القرن التاسع عشر إلى المشرق، من بينهم أبو شعيب الدكالي الذي يعد داعية سلفي بارز في هذا الاتجاه، وعلى يده درس العديد من الطلبة الذين سيشكلون النخبة المثقفة أو النخبة المخزنية كما يسميها الأستاذ العروي في المغرب خلال فترة الحماية والذي كان من أبرزهم علال الفاسي، غير أن ما يمكن أن نسجله في بداية الانتشار للسلفية في المغرب، أنها لم تظهر كما كانت عليه في المشرق خاصة في مصر، بل أحدث ظهورها في المغرب مفارقة كبيرة من حيث اتجاه روادها في هذا البلد إلى الانفتاح أكثر على الحداثة والمدنية الأوربية، بمنطق الرجوع فكريا إلى السلف الصالح، عكس سلفية المشرق التي كانت متشددة نوعًا ما إلى الإصلاح الديني ومتأثرة بالحركة الوهابية [4].

المبحث الثاني: بعض القضايا التي أثارها رواد الفكر السلفي الجديد في المغرب.

لقد سمح لفئة العلماء موقعها في المجتمع المغربي، وقربها من السلطة السياسية المخزنية، في أن تتقدم كفئة تدعى بأهل الحل والعقد، كلما اشتد الأمر على المغاربة وتأزمت أوضاعهم، خاصة إن كان الأمر يتعلق بقوى خارج البلاد على غرار الدول الأوربية، ونلاحظ في هذا الصدد أن الأزمة المغربية الأولى التي جاءت إثر هزيمة إسلي عام 1944، طرحت أمام الفئة العالمة في المغرب أسئلة عديدة، تنطوي تحت أسباب التأخر عن الركب الأوربي، وبالرغم من وعيهم بأن الشريعة الإسلامية تتضمن في طبيعة محتوياتها ما يوافق الالتحاق بركب الحداثة والتقدم الحضاري، إلا أن عمق الأزمة والانبهار بما وصلت إليه أروبا، جعلهم يعيدون النظر في واقع الحال بالتساؤل عن النظام في الإسلام، وعن أسباب التأخر، وعن الكيفية التي يمكن من خلالها السير على خطى الحضارة الأوربية، لذلك شكل مفهوم النظام ركيزة أساسية في بناء الخطاب السلفي في المغرب منذ بداياته الأولى[5].

وستتفاقم الأزمة أكثر مع هزيمة ثانية للدولة المغربية في حرب تطوان أمام إسبانيا عام 1859، وهي هزيمة تركت تصورات سلبية عن الدولة المغربية، بحيث أزالت التصور القائم لدى الأوربيين على أنها كانت دولة قوية، فالهزيمة جاءت على  يد أضعف قوة استعمارية في تلك المرحلة، هذا الواقع فرض نفسه على الفئة العالمة في المغرب، ووضعها أمام حتمية التفكير في ضرورة إحداث نظام جديد، يقتضي البحث عن تنظيمات تأسس لبروز الدولة الحديثة في المغرب، رغم أن الظروف والإمكانيات المتوفرة، كانت توحي باستحالة هذا الأمر[6]، لذا أخذت مجموعة من المفاهيم تظهر في الأفق الإصلاحي لدى العلماء المغاربة، على غرار مفهوم الترقي والتمدن الذي شكل أيضا أهم مواضيع الخطاب السلفي الجديد في المغرب[7]، إلى جانب هذه المعطيات كان المغرب يعيش أزمة داخلية ممثلة في “فتنة بوحمارة*“، وهي في حقيقة الأمر، قد أثبت لدى العلماء السلفيين، أن المجتمع المغربي صار في حالة من الفوضى.

إن هذه الأزمة الداخلية، قد خلقت ردة فعل صاخبة في وعي النخبة السلفية،  ففتنة بوحمارة طرحت التصور الديني بقوة في تشخيص الوضع الداخلي للمغرب، فقد كانت في نظر العلماء السلفيين فتنة “يختبر بها الله عباده”، وشكلت دعوة موجهة في سبيل تبديل الأحوال بسلوك طريق المدنية، والعمل بموجب أحكام الشريعة الحق، فبوحمارة مثّل في هذا الصدد، الخلاصة الرمزية لكل ما لا يمكن أن يكون مقبولا في مجتمع إسلامي مثل المجتمع المغربي الذي اتصف بالجمود والركود، وإن الحل في نظر العلماء المغاربة لا ينفك عن ضرورة إحداث النظام والمدنية الحديثة، والاجتهاد قدر الإمكان، بما لا يمس الشريعة الإسلامية. هكذا تشكل الخطاب السلفي في المغرب في بداية القرن التاسع عشر، لكي يصبح في القرن العشرين مع فرض الحماية الفرنسية على المغرب، رافدًا ضروريًا لحركة التحرر الوطني في البلاد[8]، هذه الحركة التي كسبت شرعيتها وتبلورت أطروحتها بتبني السلفية الجديدة أو الحديثة مع علال الفاسي والمختار السوسي ومحمد بن العربي العلوي، وغيرهم ممن كانوا يأثرون في مسار الدعوة إلى تعبئة المجتمع المغربي، عن طريق خلق مجال لاحتضان أفكار السلفيين الجدد،  رغبة في مكافحة الاستعمار الفرنسي فكريًا.

خاتمة

نخلص في عرض هذه اللمحة التاريخية لبروز السلفية الجديدة في المغرب، إلى ما أكد عليه الأستاذ عابد الجابري أن التجربة السلفية في المغرب، اختلفت اختلافًا كبيرًا عما كانت عليه في المشرق، وذلك شأنها شأن كل التجارب الفكرية الجديدة التي كانت تنتقل من المشرق إلى المغرب، بحيث تتكيف بشكل جديد مع ظروف المغاربة وحاجاتهم إليها، وهذا يظهر بشكل واضح في التيار السلفي الذي أخذه المغاربة من وجهه الإيجابي والوطني النهضوي التحرري، بدل الوجه الذي كان يعكس فيه الخصومات السياسية والأيديولوجية التي كان عليها في المشرق[9]، وإن السلفية التي ظهرت في المغرب في فترة الاستعمار مع علال الفاسي كانت سلفية وطنية، تطالب من ناحية ما كانت تدعو إليه سلفية محمد عبده والأفغاني في المشرق، لكنها من ناحية ثانية لم تكن ترفض ما يرفضه هؤلاء، بل تقبل ذلك وتراه أمرا ضروريا لتحرر، غير أن امتداد الفكر السلفي بعد استقلال الدولة المغربية أخذ طابع سياسي أيديولوجي، جعل من امتدادات الإصلاح بعد خروج الاستعمار محدودة، لأن الفكر السلفي في نظرنا كان ردة فعل مباشرة ضد سياسة التدخل الأجنبي، فصار رواده بعد الاستقلال يشكلون بديل الإدارة الاستعمارية، ولم يقع هناك توازن بين متطلبات المرحلة الجديدة وما تأسست عليه المرحلة السابقة.

 

المراجع

[1] عبد الرزاق الدواري وآخرون، الانتليجانسيا في المغرب العربي، “علال الفاسي كنموذج للفكر السلفي الجديد في المغرب”، بيروت، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع)، الطبعة الأولى، ص105.

[2] جمال حيمر، قضايا في مغرب القرن التاسع عشر، (مكناس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية المولى إسماعيل، 2011)، ص32,

                   [3] عبد الله العروي، الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية 1830-1912، (الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 2016)، الطبعة الأولى 2016، تعريب محمد حاتمي ومحمد جادور، 201-219-304.

[4] سعيد بن سعيد وآخرون، الانتليجانسيا في المغرب العربي، “المثقف المخزني وتحديث الدولة بدايات السلفية الجديدة في المغرب“، (بيروت، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع)، الطبعة الأولى 1984، ص65.

[5] محمد المنوني، مظاهر يقضة المغرب الحديث، (الرباط، منشورات وزارة الأوقاف، 1975)، ص59.

[6] German ayach, aspects de la cerise financiers au maroc après, lex (19), perdition caspagnole de 1960, in etudes: dhistiore marocaine smear, (rabat, 1979), p98>

[7] Abdellah laroui, les origins sociales et culturelles du natianalisme, marocain, (maspere paris, 1977), p264.

* بوحمارة: هو اسم لأحد الثوار في المغرب وكانت ثورته ضد السلطان مولاي عبد العزيز واشتهر باختطاف الأجانب في المغرب لعدم رضاه بما تقع فيه البلاد من احتلال أجنبي لها.

[8] سعيد بن سعيد، مرجع سابق، ص69.

[9] محمد عابد الجابري، السلفية في طريق النهضة … مشكل أم حل، “اسلام أون لاين”، دون تاريخ، تم الاسترجاع في 4\1\2018،

https:\\archive.islamonline,net?p

 

الباحث: عبد الرزاق العزوزي

مدير الوحدة الثقافية _مركز المجدد

اترك تعليقاً