أمريكا وإيران.. صراع حقيقي أم استفزاز ومسرحية على العرب والمسلمين، ومن الضحية؟

 

بقلم: د: عبد اللطيف عبد الغنى مشرف – مدير الوحدة السياسية لمركز المجدد.

 

تشهد الساحة السياسية العالمية اليوم العديد من القضايا المشتعلة، سواء القضية السورية أو الحرب اليمنية أو النفوذ الروسي في المنطقة، وأخيرًا التحرك الأمريكي نحو الشرق من أجل الوقوف على تهديدات إيران، ولعل هذا الحدث الأخير هو موضوع الساعة الأن، ومصدر اهتمام من الشرق ومن الغرب، ويأتي ذلك بعد التحرك الأمريكي الجاد وذلك من خلال إرسال حاملة الطائرات الأمريكية لينكولن، وذلك ردًا على التهديدات الإيرانية حسب زعم الإدارة الأمريكية.

ومن ثم زادت المخاوف العالمية والمحلية من احتمالية تلك المواجهة، وظهرت العديد من التفسيرات السياسية من قبل العديد من المحللين السياسيين وأصحاب الرأي والفكر العالمي على شاشات الإعلام أو على صفحات الجرائد، وذلك لأهمية تلك الخطوة ومدى خطورتها على الوضع العالمي، وعند التدقيق في تلك التحليلات، نجد أن الآراء انقسمت ما بين مؤيد لتلك الخطوة، وما بين معارض لتلك التحركات وما بين مشكك في تلك التحركات، بل يري البعض أنها لعبة من لعب أمريكا باتفاق إيراني مسبق وذلك من أجل سلب العديد من أموال الخليج، وضمان الوجود الأمريكي الدائم في تلك المنطقة المهمة والحيوية والغنية، ونجد أن هذا التفسير أكثر انتشارا في الشرق وخصوصًا بين الشعوب العربية.

ولكن في الحقيقة ومن واقع التاريخ والمصالح والعلاقات السياسية، نري احتمالية أن يكون تلك التفسيرات جميعها صحيحة، حيث كل من طرح تلك التفسيرات لديه دلائل وبراهين تثبت صحة تفسيره لهذا التحرك المفاجئ من قبل أمريكا وإدارة الرئيس ترامب، ولكن إذا أردنا فهم تلك القضية والإشكالية المعقدة وأي التفسيرات أقرب للواقع والحقيقة، علينا أن نطرح عدة تساؤلات على القارئ وإذا استطاع أن يجد إجابة لها ويربط الأحداث ببعضها البعض يستطيع أن يعرف إلى أين تسير تلك التحركات ولصالح من ومن الخاسر وهذه التساؤلات هي كالاتي:

– لماذا التحرك الأمريكي في هذا التوقيت؟

– لماذا الهجوم الأمريكي الدائم على دولة خليجية معينة لها مكانتها الدينية الكبيرة عند المسلمين، بل ويطالبها الجانب الأمريكي دومًا بدفع تكاليف الحماية لها، ويشعل كل يوم لها قضية جديدة سواء اليمن أو المقاطعة القطرية أو العدو الإيراني؟

– هل التحرك استفزاز لجنى العديد من المكاسب الإستراتيجية والمادية والإمبريالية لصالح الأمريكان؟

– هل التحرك هو استكمال لحروب صليبية جديدة على الشرق قد بدأها الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش على العراق، وتكون الأن على إيران من أجل تقليم أظافر أي دولة تكون عقبة في وجه المصالح الأمريكية في الشرق؟

– هل إيران وأمريكا على خطى واحدة وعداوة واحدة للعرب والشرق؟

– هل إيران وأمريكا حلفاء أم أعداء، وأيهما أقرب للعرب والعالم الإسلامي؟

– لماذا الدعاية المستمرة من أجل تضخيم القوة الإيرانية في الشرق وخصوصًا عند العرب؟

– لماذا جعل الإعلام إيران هي العدو الأول للعرب بدلًا من إسرائيل؟

فإذا استطعت الإجابة على تلك التساؤلات، ستعرف إلى أين يسير هذا التحرك الأمريكي، ولكن عليك الإجابة بحكمة ومنطقية ورؤية سياسية واقعية للأحداث بعيدًا عن المذاهب والأيدولوجيات السياسية، حتى تعطي تفسيرً صحيحًا وواقعيًا من خلال الإجابة عن هذه الأسئلة.

 ولعل ما يدهشك أن الذي ساهم في تجربة إيران النووية هي أمريكا وفقًا لمشروع أيزنهاور “النووي من أجل السلام”، وذلك كان في عهد الشاه الإيراني، وعمل النظام الأمريكي على بناء أول المفاعلات النووية الإيرانية، ولكن بعد قيام الثورة الإسلامية الكبري في إيران عام 1979م، بدأ النظام الإيراني التوسع في بناء العديد من المفاعلات النووية السرية بدعم من الروس. إلا أن حدة التوتر زادت خلال الأيام القليلة الماضية بين كل من طهران وواشنطن بعد أن قررت إدارة ترامب فرض عقوبات جديدة على إيران، وما تلا هذا القرار من إرسال الولايات المتحدة حاملة طائرات وقاذفات من طراز “بي 52” إلى الشرق الأوسط للتصدّي لمخاطر هجمات إيرانية قالت إنها وشيكة، كما قررت واشنطن إرسال صواريخ باتريوت إضافية إلى المنطقة. في المقابل أعلنت إيران عزمها تعطيل بعض بنود الاتفاق النووي والعودة لتخصيب اليورانيوم، إذا لم تحمها الأطراف الدولية من تداعيات العقوبات الأميركية، وكان الرئيس الأمريكي قد أعلن العام الماضي انسحابه من الاتفاق النووي الذي وقعته طهران والقوى الكبرى، وفرض عقوبات على إيران.

ولعل ذلك السيناريو يذكرنا بالسيناريو الأمريكي العراقي في عهد صدام حسين، وقصة النووي وتفاقم قوة صدام التي هددت الكيان الصهيوني، مما أزعج أمريكا وكانت نهاية هذا السيناريو الحرب على العراق وإعدام الرئيس العراقي صدام حسين، هل تري من الممكن أن يتكرر ذلك السيناريو مع إيران وخصوصًا مع تعاظم قوتها وتشعب مصالحها في الشرق؟ هل سنري عراق ممزق جديد؟ هل سنري حروب صليبية جديدة باسم العلاقات الدولية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية؟ ولكن من وجهة نظري ووفقًا للتاريخ السياسي والمتغيرات السياسية والأحداث العالمية المتشابكة مع بعضها البعض، وفي ظل التنافس الأمريكي الروسي على منطقة الشرق، وزرع دول تسمي بدول الضغط السياسي متمثلة في قلب العمق العربي وهم على النحو التالي إيران في الشرق العربي ومصدر تهديد للخليج، وإسرائيل في الشق الغربي ومصدر تهديد لكيانات عربية كثيرة، وذلك لضمان الوصاية الأمريكية على العالم العربي الغني بالثروات والمعادن والأموال، ومن ثم التحكم في سياسة تلك الدول والضغط عليها من أجل تنفيذ ما تريده السياسة الغربية منهم.

ومع تزايد التنافس والضغط على العالم العربي بعد دخول روسيا منطقة الشرق بعد الحرب السورية، وأيضًا تعاظم الدور الإيراني في كل من العراق وسوريا بل شكلت أنظمة تابعة لها، مما جعلها متحكمة في خيرات وسياسة تلك الدول، مما جعل أمريكا تُسرع في التحرك بحجة النووي الإيراني، ولكن هو في الأصل لتحجيم الدور الإيراني ولوقف المد الروسي في منطقة نفوذها وهو الشرق والدول العربية الغنية، وأيضا هناك عدة احتمالات لذلك التحرك من وجهة نظري وهي كالتالي:

– قرب اتمام صفقة القرن فجاء هذا التحرك لأشغال الرأي العام العربي والإسلامي، بل والتعاطف مع أمريكا ضد إيران فيصبح تنفيذ تلك الصفقة يسير، وضمان قوة أمريكية تحميها إذا قُبل بتحدي من أي مصدر قوة وفي مقدمتها إيران.

– جني الكثير من المكاسب المالية من دول الخليج، وهذا ما يميز فترة ترامب هو دخول الكثير من أموال الخليج إلى الخزانة الأمريكية بفضل سياسة ترامب.

– حماية الوجود الأمريكي وخصوصًا بعد تعاظم الوجود الروسي والمد الإيراني في منطقة الشرق، مما جعل ذلك أكبر تهديد لمصالح أمريكا في الشرق وفي أماكن نفوذها، مما تطلب تأكيد ذلك الوجود في منطقة ذات أهمية وموقع إستراتيجي قريب من كلًا من إيران وروسيا.

– أري أنها حروب صليبية جديدة باسم العلاقات الدولية، وبالفعل من الممكن ضرب إيران في أي لحظة، بل تم الاستعداد لذلك من خلال عمليات ميناء الفجيرة الإماراتي واتهام إيران بذلك، رغم نفي الجانب الإيراني لذلك، فكأن المخابرات الأمريكية تجر الأطراف العربية لحرب مع إيران، وتدفع إيران لذلك، كم دفعت صدام لغزو الكويت، وأيضًا كان ذلك عن طريق البترول وعوائده، ومن ثم التدخل الأمريكي والسيطرة الكاملة على إيران والخليج ومضايقه الإستراتيجية، وسيخسر الطرفين والرابح أمريكا.

– الحفاظ على المكاسب الأمريكية في العراق وسوريا، وذلك بعد تأكد المخابرات بتعاظم الدور الإيراني داخل تلك الأنظمة مما أصبح يشكل تهديد صريح لأمريكا، وأيضا غزو أمريكا لإيران قد تجنى من خلاله أمريكا الكثير من المكاسب ليس فقط في الشرق، بل ستصبح قريبة من حدود المنافس القوي لها وهي روسيا لقرب الحدود الإيرانية الروسية، مما يشكل تهديد كبير على الروس، ومن ثم أخضعاهم حين يتطلب ذلك.

– التحكم في أهم المضايق العالمية هو مضيق هرمز الذي له نصيب كبير من مرور تجارة البترول لدول العالم، ويأتي ذلك بعد تهديد إيران بإغلاق المضيق مما يسبب أزمة حقيقية لأمريكا ومصالحها وسفنها المحملة بالبترول، فبهذا التحرك تجبر إيران على عدم أخذ هذه الخطوة التي تهدد اقتصادها ومصادر طاقاتها، وأيضا يأتي التحرك لتأكيد السيطرة الأمريكية على الخليج، وحمايته من إيران وقضية المد الشيعي وغيرها من القضايا الجدلية، التي ستربح أمريكا من خلالها الثروات والموقع الإستراتيجي، وسيخسر الجميع السيادة والثروات.

ولكن بعد هذا العرض واحتمالية الحرب الفعلية بين إيران وأمريكا وخصوصًا تشابه هذا السيناريو قديمًا مع العراق في عهد الرئيس صدام حسين والذي انتهي بغزو أمريكا للعراق، هل بالفعل سيتكرر المشهد مرة أخري، أم ستجلس أمريكا وإيران على الطاولة ويتنفقا والخاسر دول الخليج وأموالهم.

والصراع الإيراني الأمريكي الأن حقيقي وليس ضرب من الخيال، واستخدموا بعضهم البعض لتنفيذ مشاريعهم في أراضي المسلمين السنة، فأمريكا تريد الثروات وإيران تريد الحلم الفارسي والمد الشيعي باسم الخميني، وعندما تحكمت إيران في مفاصل دول رئيسية في مناطق السنة عدًدا وتاريخًيا ومكانًا حيويًا وإستراتيجيا، حيث أن هذه الدول تطوق جميع أراضي ومناطق السنة والعرب شرقًا وغربًا وهي ” العراق – سوريا – لبنان – اليمن “، فهي مناطق مهمة للسنة ومناطق ضغط على باقي المناطق، بدأت إيران تخلع عباءة التبعية لنظام الأمريكي، وللعلم الصراع بدأ من القديم بعد الثورة الإسلامية في إيران واحتجاز 52 أمريكي في السفارة الأمريكية في إيران، والعجيب قضية تحريرهم وفضيحة أمريكا عندما أرادات تحريرهم وهذا يحتاج مقال بمفرده ولكن أمريكا لا تنسي ذلك، والدليل ذكر ترامب أنه سيضرب 52 موقع إيراني فهذا الرقم له مدلول تاريخي في الصراع وحقيقي ولكن نحن ننسي ولا نقرأ التاريخ جيدًا ونسخر من الأوضاع لذلك نحن دومًا الضحية، وللعلم هذا الرقم والحادثة كانت بداية جلوس الأطراف على طاولة السياسة الاتفاق والآن هي أيضًا تفرقهم.

  وأيضًا اكتشاف وثائق داخل السفارة الأمريكية بعد الثورة الإسلامية وهجوم السفارة تفيد بأن أمريكا كانت تساند الشاه ضد الثورة والخميني نفسه، فلذلك يعلم الطرفان جيدًا أنهم لا يرغبون في بعضهم البعض من زمن بعيد، فالصراع قديم ويعرفون بعضهم بعض، ولكن المصلحة جمعتهم والأن المصلحة تفرقهم، ولكن للأسف الشديد الذي لا يعي لحلم أمريكا وإيران هم المسلمين السنة بل يسخرون من الصراع ولا يعرفون أنهم هم الضحية وهم الرماد وبارود الحرب والصراع العالمي القائم، سواء الصراع بين أمريكا وأوروبا ضد الصين وروسيا ” الحرب الباردة الجديدة” أو الصراع بين أمريكا وإسرائيل في مواجهة إيران ومن يدعمها.

 والعجيب أن العرب والمسلمين لا يعرفون أن خيراتهم ومعتقداتهم هي المستهدفة، والأعجب هو الاستهزاء والسخرية من الأحداث بل عداء بعضهم على بعض والاستعانة بأعدائهم على بعضهم البعض، بل وانشغالهم بأمر السلطة وتضليل الشعوب هو شاغلهم الشاغل، ولا يعرفن أن القادم سيأكل الأخضر واليابس،  فالحل الوحيد لهم مبدأ اعتصموا ومبدأ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ومنهج تمسكوا بكتاب الله وسنته، بهذه المناهج النجاة وغيرها الهلاك، وسنظل محط طمع الجميع ليسلب منا الخيرات ويحارب عقيدة الإسلام، فاستقيموا يرحمكم الله واعوا حتى يكتب النجاة لنا جميعًا، أما بهذا الوضع سيكت علينا مصير ملوك الطوائف ونكون أندلسًا جديدًا بنفس أسباب السقوط ومصير الزوال والتشريد، والفقر من بعد نعمة لأننا لم نشكرها ونراعي الله فيها، فتداعت علينا الأمم من كل صوب وحدب، فأقرأوا القرآن والسنة بتفكر واعتبروا من التاريخ وفسروا الأحداث بمنطق العقل لا منطق الخرافة وتضليل الشعوب من أجل منصب زائل على حساب أمة وعقيدة ثابتة وباقية.

د.عبداللطيف مشرف_ مدير الوحدة السياسية في مركز المجدد

اترك تعليقاً